السيد المرعشي
1
شرح إحقاق الحق
بسم الله الرحمن الرحيم مستدرك مصادر حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تقدم نقل الأحاديث المأثورة في ذلك عن كتب علماء العامة في ( ج 2 ص 415 إلى ص 501 وج 3 ص 320 إلى ص 335 وج 6 ص 225 إلى ص 368 وج 16 ص 559 إلى ص 587 ) ونستدرك هيهنا عن كتبهم التي لم ننقل عنها في ما مضى ( 1 :
--> 1 ) إعلم أن حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) رواه محدثو الفريقين بإسنادهم الكثير ، وبعضهم أفرد كتابا مستقلا في إسناد هذا الحديث الشريف ، منهم الحافظ المحدث المطلع المتضلع أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة والمتولد سنة 250 والمتوفى سنة 332 وغيره من كبار المحدثين . قال الشيخ حسام الدين المردي الحنفي في كتاب ( آل محمد صلى الله عليه وآله ) ص 449 : قال الحافظ ابن حجر : حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) أخرجه الترمذي والنسائي ، وهو كثير الطرق جدا وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد وكثير من أسانيدها [ 5 ] صحاح وحسان . وقال في ص 451 : أخرج النسائي بسنده عن زيد بن يثيغ قال : سمعت عليا يقول على منبر الكوفة فقام ستة من جانب المنبر الآخر فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم . أخرجه الطبراني بسنده عن ابن عمر . وابن أبي شيبة بسنده عن أبي هريرة واثنا عشر من الصحابة . والإمام أحمد بن حنبل والطبراني وأبو حاتم هم جميعا بالإسناد عن أبي أيوب . وجمع من الصحابة . والحاكم بالإسناد عن علي عليه السلام . وعن طلحة . وأخرجه ( كذا ) الإمام أحمد بن حنبل والطبراني وأبو حاتم هم جميعا بالإسناد عن علي عليه السلام وزيد بن أرقم وثلاثين رجلا من الصحابة وأبو نعيم الحافظ في ( فضائل الصحابة ) بالإسناد عن سعد . والخطيب البغدادي بالإسناد عن أنس . إلى أن قال : وإنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وإن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن . وقال العلامة السيد شهاب الدين أحمد بن عبد الله الحسيني الشافعي في ( توضيح الدلائل ) ص 198 نسخة مكتبة الملي بفارس : روي هذا الحديث جماعة لهم في الاسلام قديم وحديث ، منهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك والعباس بن عبد المطلب والحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبو ذر جندب بن جنادة وخزيمة بن ثابت الأنصاري وأسعد بن زرارة الأنصاري وعثمان بن حنيف الأنصاري وحذيفة ابن اليمان وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ورفاعة بن رفاع الأنصاري وسمرة ابن جندب وسلمة بن الأكوع الأسلمي وزيد بن ثابت الأنصاري وأبو ليلى الأنصاري وأبو قدامة الأنصاري وسهل بن سعد الأنصاري وعدي بن حاتم الطائي وثابت بن وديعة وكعب بن عجرة وأبو هيثم بن التيهان الأنصاري وهاشم بن عتبة الزهري والمقداد بن عمرو وعمرو بن أبي سلمة المخزومي وعمران بن حصين الخزاعي وجبلة بن عمرو الأنصاري وأبو هريرة الدوسي وأبو برزة فضلة بن عبيد الأسلمي وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري وحريز بن عبد الله البجلي وزيد بن أرقم وأبو عمرة عمر الأنصاري وأنس بن مالك الأنصاري وناجية بن عمرو الخزاعي ويعلي بن مرة الثقفي وزيد بن حارثة الأنصاري وعبيد بن غارب الأنصاري وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني وعبد الله بن أوفي الأسلمي وعبد الله بن بسر المازي وأبو فضالة الأنصاري وحسان بن ثابت الأنصاري وعامر بن عمير النميري وعقبة ابن عامر الجهني وجندب بن سفيان البجلي وأسامة بن زيد الكلبي وقيس بن سعد الأنصاري وفاطمة بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة بنت أبي بكر وأم سلمة وأم هاني بنت أبي طالب وأسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله تعالى عنهم جميعا . وكذا يروي جماعة جمة من ثقات الرواة لو نستقرئ أماجد أمثالهم عددا ونستوعب ذكر سائرهم عددا لضاق نطاق التقرير على حصر الحصر عفو الحال ويفضي السأمة إلى رهق الملال وعلق الكلال هذا . والغرض في تعداد أعداد أجلة الصحابة والصحابيات في هذا الحديث الذي هو مطلع نجوم السعادات ومجمع وفود السيادات ومنبع زلال العلا في تأكيد مواجب الولاء لأهل العباء أن يملأ أبهة قدره صدر أحبابهم ارتياحا وانشراحا ، ويكدح أكباد أعدائهم التياحا واحتياحا ، عصمنا الله تعالى من أشواط عقاب الخذلان وأنزلنا في جوارهم بحبوحة الجنان . نعم ولصدر هذه القصة خطبة بليغة باحثة على خطبة موالاتهم فات عني إسنادها عفو البديهة ، وهي هذه الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) فقال : الحمد لله على آلائه في نفسي وبلائه في عترتي وأهل بيتي ، أستعينه على نكبات الدنيا وموبقات الآخرة ، وأشهد أن الله الواحد الأحد الفرد الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا شريكا ولا عمدا ، وإني عبد من عبيده أرسله برسالاته إلى جميع خلقه ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة ، واصطفاني على العالمين من الأولين والآخرين ، وأعطاني مفاتيح خزائنه ووكد علي بعزائمه واستودعني سره وأمرني فأبصرت له ، فأنا الفاتح وأنا الخاتم ولا قوة إلا بالله . اتقوا الله أيها الناس حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعلموا أن الله بكل شئ محيط ، وإنه سيكون من بعدي أقوام يكذبون علي فيقبل منهم ، ومعاذي الله أن أقول على الله إلا الحق أو أفوه بأمري إلا الصدق ، وما آمركم إلا ما أمرني به ولا أدعوكم إلا إليه ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . فقام إليه عبادة بن صامت فقال : ومتى ذاك يا رسول الله ومن هؤلاء عرفناهم لنحذرهم . قال أقوام قد استعدوا لهما من يومهم وسيظهرون لكم إذا بلغت الشمس مني ههنا ، وأومأ صلى الله عليه وسلم إلى حلقه . فقال عبادة : فإذا كان ذلك فإلى من يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : عليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي الآخذين عن نبوتي ، فإنهم يصدونكم عن الغي ويدعونكم إلى الخير ، وهم أهل الحق ومعادن الصدق ، يحيون فيكم الكتاب والسنة ويجنبونكم الالحاد والبدعة ويقمعون بالحق أهل الباطل ولا يميلون مع الجاهل الذاهل . أيها الناس إن الله خلقني وخلق أهل بيتي من طينة لم يخلق منها غيرنا ، كما أول من أبتدأ من خلقه ، فلما خلقنا نور بنورنا كل ظلمة وأحيى بنا كل طينة . ثم قال صلى الله عليه وسلم : هؤلاء خيار أمتي وحملة علمي وخزانة سري وسادة أهل الأرض ، الداعون إلى الحق المخبرون بالصدق ، غير الشاكين ولا مرتابين ولا ناكصين ولا ناكثين ، هؤلاء الهداة المهتدون والأئمة الراشدون ، المهتدي من جائني بطاعتهم وولايتهم والضال من عدل عنهم وجائني بعداوتهم ، حبهم إيمان وبغضهم نفاق ، إنهم الأئمة الهادية وعروى الحكام الواثقة ، بهم ينمى الأعمال الصالحة ، هم وصية الله في الأولين والآخرين ، والأرحام الذي أقسمكم الله بها إذ يقول ( واتقوا الله الذي تسألون به الأرحام إن الله كان بكم رقيبا ) ثم ندبكم إلى حبهم فقال : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) . هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من النجس ، ، الصادقون إذا نطقوا ، العالمون إذا سئلوا ، الحافظون لما استودعوا . أجمعت فيهم الجلال العرش ( 1 لم يجمع إلا في عترتي وأهل بيتي الحلم والعلم والنبوة واللب والسماحة والشجاعة والصدق والطهارة والعفاف والحكم لهم في كلمة التقوى وسبل الهدى والحجة العظمى والعروة الوثقى ، هم أوليائكم عن قول ربكم وعن قول ربي ما أمرتكم . ألا من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره . أوحى إلي ربي ثلاثة : أنه سيد المسلمين ، وإمام خيرة المتقين ، وقائد الغر المحجلين . وقد بلغت عن ربي ما أمرت ، وأستودعهم الله فيكم واستغفر الله لي ولكم . قال حافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المقتول سنة 658 في ( كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب ) ص 64 بعد نقل حديث الغدير : قلت : هذا حديث مشهور حسن روته الثقات ، وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض حجة على صحة النقل ، ولو لم يكن في محبة علي عليه السلام الادعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمحب علي بكل خير لكان فيه كفاية لمن وفقه الله عز وجل ، فكيف وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بموالاة من والاه وبمحبة من أحبه وبنصر من نصره . وعلى وفق النص قال حسان بن ثابت في المعنى : يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم فأسمع بالرسول مناديا فقال فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت نبينا * ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له : قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نافحت عنا بلسانك . وقال السيد الحميري عليه الرحمة في المعنى : يا بايع الدين بدنياه * ليس بهذا أمر الله من أين أبغضت علي الرضي * وأحمد قد كان يرضاه من الذي أحمد من بينهم * يوم غدير الخم ناداه أقامه من بين أصحابه * وهم حواليه فسماه هذا علي بن أبي طالب * مولى لمن قد كنت مولاه فوال من والاه يا ذا العلا * وعاد من قد كان عاداه وقال من قصيدة في معناه : إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد * ولا عهد يوم الغدير مؤكدا فإني كمن يشتري الضلالة بالهدى * تنصر من بعد التقى أو تهودا وما لي وتيما أو عديا وإنما * أولو نعمتي في الله من آل أحمدا تتم صلاتي بالصلاة عليهم * وليست صلاتي بعد أن أتشهدا بكاملة إن لم أصل عليهم * وأدع لهم ربا كريما ممجدا وقال العلامة الحافظ الشيخ يوسف بن قزأوغلي بن عبد الله المعروف بسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 في كتاب ( تذكرة الخواص ) ص 30 ط النجف : اتفق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة ، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفا وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه - الحديث نص صلى الله عليه وسلم على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة . وذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بأسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك طار في الأقطار وشاع في البلاد والأمصار ، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري ، فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد ثم عقلها وجاء فدخل في المسجد فجثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد إنك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله فقبلنا منك ذلك ، وإنك أمرتنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة ونصوم شهر رمضان ونحج البيت ونزكي أموالنا فقبلنا منك وذلك ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته على الناس وقلت ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، فهذا شئ منك أو من الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد احمرت عيناه . . : والله الذي لا إله إلا هو إنه من الله وليس مني ( قالها ثلاثا ) ، فقام الحارث وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأرسل من السماء علينا حجارة أو ائتنا بعذاب أليم . قال : فوالله ما بلغ ناقته حتى رماه الله من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره ومات ، وأنزل الله تعالى : ( سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع ) . فأما قوله ( من كنت مولاه ) فقال علماء العربية لفظة ( المولى ) ترد على وجوه : أحدها : بمعنى المالك ، ومنه قوله تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر شئ وهو كل على مولاه ) أي على مالك رقه . والثاني : بمعنى المولى المعتق بكسر التاء . والثالث : بمعنى المعتق بفتح التاء . والرابع : بمعنى الناصر ، ومنه قوله تعالى ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ) أي لا ناصر لهم . والخامس : بمعنى ابن العم ، قال الشاعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بنينا ما كان مدفونا وقال آخر هم الموالي حتفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور وحكى صاحب الصحاح عن أبي عبيدة إن قائل هذا البيت عني بالموالي بني العم ، قال : وهو كقوله تعالى ( ثم يخرجكم طفلا ) . والسادس : الحليف ، قال الشاعر : موالي حلف لا موالي قرابة * ولكن قطينا يسألون الاتاويا يقول : هم حلفاء لا أبناء عم ، قال في الصحاح : وأما قول الفرزدق : ولو كان عبد الله مولى هجوته * ولكن عبد الله مولى المواليا فلأن عبد الله بن أبي إسحاق مولى الحضرميين ، وهم حلفاء بني عبد شمس ابن عبد مناف ، والحليف عند العرب مولى ، وإنما نصب ( المواليا ) لأنه رده إلى أصله للضرورة ، وإنما لم ينون مولى لأنه جعله بمنزلة غير المعتل الذي لا ينصرف والسابع : المتولي لضمان الجريرة وحيازة الميراث ، وكان ذلك في الجاهلية ثم نسخ بآية المواريث . والثامن : الجار ، وإنما سمي به لماله من الحقوق بالمجاورة . والتاسع : السيد المطاع ، وهو المولى المطلق ، قال في الصحاح : كل من ولي أمر أحد فهو وليه . والعاشر : بمعنى الأولى ، قال الله تعالى ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي موليكم ) أي أولى بكم . وإذا ثبت هذا لم يجز حمل لفظة ( المولى ) في هذا الحديث على مالك الرق لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مالكا لرق علي عليه السلام حقيقة . ولا على المولى المعتق ، لأنه لم يكن معتقا لعلي ولا علب المعتق لأنه عليه السلام كان حرا ، ولا على الناصر ، لأنه عليه السلام كان ينصر من ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخذل من يخذله . ولا على ابن العم ، لأنه كان ابن عمه . ولا على الحليف ، لأن الحلف يكون بين الغرماء للتعاضد والتناصر وهذا المعنى موجود فيه ولا على المتولي لضمان الجريرة ، لما قلنا أنه انتسخ ذلك . ولا على الجار ، لأنه يكون لغوا من الكلام ، وحوشي منصبه الكريم من ذلك . ولا على السيد المطاع ، لأنه كان مطيعا له يقيه بنفسه ويجاهد بين يديه ، والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة ، فتعين الوجه العاشر ، وهو الأولى ، ومعناه من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به . وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن السعيد الثقفي الأصبهاني في كتابه المسمى بمرج البحرين ، فإنه روى الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي عليه السلام فقال : من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه ، فعلم أن جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر . ودل عليه أيضا قوله عليه السلام : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم : وأدر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار ، فيه دليل على أنه ما جرى خلاف بين علي عليه السلام وبين أحد من الصحابة إلا والحق مع علي عليه السلام ، وهذا بإجماع الأمة . ألا ترى أن العلماء إنما استنبطوا أحكام البغاة من وقعة الجمل وصفين . وقد أكثرت الشعراء في يوم غدير خم ، فقال حسان بن ثابت : يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم فأسمع بالرسول مناديا وقال : فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا ألهك مولانا وأنت ولينا * ومالك منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمعه ينشد هذه الأبيات قال له : يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا أو نافحت عنا بلسانك . وقال قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، وأنشدها بين يدي علي عليه السلام بصفين : قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل وعلي إمامنا وإمام * لسوانا به أتى التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل وأن ما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل وقال الكميت : نفى عن عينك الأرق الهجوعا * وهما تمتري عنه الدموعا لدى الرحمن يشفع بالمثاني * فكان له أبو حسن شفيعا ويم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا منيعا ولهذه الأبيات قصة عجيبة ، حدثنا بها شيخنا عمرو بن الصافي الموصلي رحمه الله تعالى قال : أنشد بعضهم هذه الأبيات وبات مفكرا ، فرأى عليا عليه السلام في المنام فقال له : أعد علي أبيات الكميت ، فأنشده إياها حتى بلغ إلى قوله ( خطرا منيعا ) فأنشده علي عليه السلام بيتا آخر من قوله زيادة فيها : فلم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا فانتبه الرجل مذعورا . وقال السيد الحميري : يا بايع الدين بدنياه * ليس بهذا أمر الله من أين أبغضت علي الرضى * وأحمد قد كان يرضاه من الذي أحمد من بينهم * يوم غدير الخم ناداه أقامه من بين أصحابه * وهم حواليه فسماه هذا علي بن أبي طالب * مولى لمن قد كنت مولاه فوال من والاه يا ذا العلا * وعاد من قد كان عاداه وقال بديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني : يا دار منتجع الرسالة * وبيت مختلف الملائك يا بن الفواطم والعواتك * والترايك والأرايك أنا حائك إن لم أكن * مولى ولائك وابن حائك وقال العلامة أبو جعفر الإسكافي محمد بن عبد الله المعتزلي المتوفى سنة 240 في كتابة القيم ( المعيار والموازنة ) ص 210 ط بيروت قال : ثم قوله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] له في غدير خم ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) [ يكون ] إبانة له منهم وتقريبا له من نفسه ، ليعلموا أنه لا منزلة أقرب إلى النبي صلى الله عليه من منزلته . فإن قال قائل : إنما قال ذلك النبي عليه السلام في ولاء النعمة ، ومعنى الحديث في زيد بن حارثة ، لأنهما قد كانت بينهما مشاجرة فادعى علي بن أبي طالب ولاء زيد بن حارثة وأنكر ذلك زيد ، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، [ فيكون ذلك إذا ] في ولاء العتق . قلنا : ليس لما ذهبتم إليه معنى يصح ، لأن أول الحديث وآخره يبطل ما ذكرتم لأنه ذكر في أول الحديث [ إنه صلى الله عليه وآله خطب الناس ] فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ و [ من ] كل مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا : اللهم بلى . فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه . فلا يكون من البيان في نفي ما قلتم أوضح من هذا ، لأنه قد نص على المؤمنين جميعا بقوله ، ودل على إبانة علي من الكل بمولويته على كل مؤمن ومؤمنة ، ثم أقامه في التقديم عليهم مقامه ، وأعلمهم أن تلك لعلي فضيلة عليهم كما كانت له صلى الله عليه وسلم فضيلة ، تأكيدا وبيانا لما أراد من قيام الحجة ونفي تأويل من تأول بغير معرفة . ولو كان ذلك من النبي عليه السلام على طريق الولاء والملك لكان العباس بذلك أولى من علي ، لأنه أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منه . وآخر الحديث [ أيضا ] يدل على أن ذلك لم يكن لما ذكروه من العلة ، وهو قوله ( اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) ، وهذا كله يدل على ما قلنا [ 5 ] من تقدمه [ على الناس ] في الدين وتفضيله على العالمين و [ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ] اختاره [ لعلمه ] بأنه لا يكون منه تغيير ولا تبديل ، وإن حاله واحدة متصلة عداوته بعداوة الله وولايته بولايته ، كما اتصل ذلك من النبي عليه السلام . [ وقد ذكرنا من مدلول الحديث ما يلفت نظركم إلى الحق ] لتعلموا أن النظر في الحديث يوجب أن النبي إنما أراد بهذا الحديث إبانة علي رضي الله عنه من المؤمنين جميعا ، وإعلامهم أن منزلته في التفضيل عليهم والتقدم لهم بمنزلته عليه السلام . ففكروا في هذا الحديث ، فما أبين دلائله وأوضح حجته وتأكيده وما أعجب قوته عند النظر فيه من جميع أسبابه ومعانيه . [ وفكروا أيضا في ] قول عمر - له عندما سمع [ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ] هذا الحديث - بخ بخ [ لك ] يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . فهذا حديث يؤكد بعضه بعضا ويشهد بشهادة واحدة ، وينفي تحريف الشاكين والمقصرين ، ويوجب قول أهل العلم واليقين . وقد قال قوم : إن معنى الحديث إنما هو في الولاية ، فمعنى قوله ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) من كنت وليه فعلي وليه . ويدل على ذلك قول الله ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ) ( 11 / محمد : 47 ) فإنما أراد الله بهذه الولاية ، فخص علي بن أبي طالب بهذه الكلمة [ لأنه أراد منها الرئاسة والأمارة ، ولو كان يريد منهما غير الرئاسة والأمارة من مثل المحبة والنصرة ] و [ كان ] المؤمنون جميعا في معنى الولاية [ بهذا التفسير ] داخلون ، لأنهم لله ولرسوله موالون [ لم يكن وجه لتخصيصه عليا بها ] كما خصت الأنصار باسم النصرة والمؤمنون جميعا في معنى النصرة [ لله ] ولرسوله داخلون . [ قال أبو جعفر الإسكافي ] : وهذا أيضا خطأ من التأويل بدلالة أول الحديث لأن قوله ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وبكل مؤمن ومؤمنة ؟ ) [ وهذا ] يدل [ على ] أنه لم يرد بذلك الولاية ، لأن هذا المعنى لا يجوز أن يكون لهم ، لأن الوليين كل واحد منهما مولى صاحبه . وقوله ( ألست أولى بكل مؤمن ومؤمنة ؟ وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ؟ إيجاب أن للنبي عليه السلام عليهم في ذلك ما ليس لهم في التقدمة ، وكذلك علي مولاهم أنه أولى بهم جهة التقدمة ، لأن آخر الكلام على أوله مردود ، فمن أراد أن يدخل في آخر الحديث معنى يزيل ما قلنا [ ه ] نفاه أول الحديث ، ومن أراد أن يدخل في أوله معنى غير ما وصفنا [ ه ] نفاه آخر الحديث ، فالحديث يشهد بعضه لبعض بما قلنا ، ويوجب الحجة الواضحة بما إليه ذهبنا . فإن قال قائل : فإذا كنتم قد أبطلتم من معنى الحديث ولاية الدين والولاء والعتق فليس لما ذهبتم إليه معنى . قلنا لهم : قد أوضحنا لكم معنى ثالثا لو فهمتم ، لأن أول الحديث فيه ذكر كل مؤمن ومؤمنة ، فيعلم أنه لم يرد بذلك زيد بن حارثة إلا بدخوله في اسم الإيمان وما في آخره من ذكر العداوة والولاية . ولم يرد بقوله ( ألست أولى بكل مؤمن ومؤمنة ) الولاية ، لأن هذه منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ليست لأحد من المؤمنين ، والولاية لهم هم لها موصوفون فتلك منزلة علي بن أبي طالب . فإن قال قائل : وبما استحق علي بن أبي طالب هذه المنزلة ؟ قلنا له : إن قولكم ( بما استحق علي بن أبي طالب هذه المنزلة ) بعد ما أوقفناكم وعرفتم أن النبي عليه السلام أنزله هذه المنزلة وأبانه بهذه الفضيلة تهمة وسوء ظن بالنبي عليه السلام ، لأن الذي فعل [ به ] النبي عليه السلام [ ذلك ] قمن بذلك لم يفعله [ به ] إلا بالاستحقاق ، ولأن النبي عليه السلام لم يكن بالذي يتقدم بين يدي الله ، فبين علي بن أبي طالب هذه البينونة ويشهره هذه الشهرة إلا بأمر من الله ، فهذا من قولكم تهمة ، فإن أقمتم عليه بعد البينة كفرتم . فإن قالوا : فدلونا على قوله ( من كنت مولاه ) يحتمل ما قلتم من التقدمة والإبانة في اللغة . قلنا : ذلك ما لا يستنكر في كلامهم وتعاملهم ، قد يقول الرجل للرجل إذا أراد تقديمه وتفضيله على نفسه : فلان مولاي ، يريد بذلك أنه سيدي والمتقدم علي والبائن مني . والمولى قد يكون في اللغة على طريق الولاية وعلى طريق الولاء في العتق وعلى طريق السؤدد والإبانة في الفضل ، واحتمل [ اللفظ ] هذه الوجوه الثلاثة ، فبطل الوجهان من الحديث وثبت الثالث ، وهو ما قلنا . على أنا قد بينا استحقاق علي بهذه المنزلة من النبي عليه السلام بما قد ذكرنا من مناقبه وفضائله ، فله على جميع المؤمنين التقدمة في السؤدد ، والفضل بماله عليهم من النعمة والمنة والشرف ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم مولى المؤمنين جميعا بالسؤدد ، لأن به تخلصوا من الضلال ودخلوا في نعمة الاسلام ، حتى استنقذهم بدعائه وأمره وقيامه وصبره في ساعات الخوف والضيق من شفا الحفرة ومعاطب الهلكة . ولعلي الفضل عليهم بذبه عنهم بسيفه وقيامه بالاصطلاء بحروب عدوهم منة ونعمة استحق بها عليهم السؤدد والتقدم ، لأنه قوى بذلك عزائمهم ، وأزال الشكوك بفعله عنهم وثبت يقينهم ، وحامى عن أنفسهم وأموالهم في مواقف مشهورة قد ذكرنا بعضها ثم حفظه لما جاء به النبي عليه السلام من الدين والسبق وعنايته بذلك ينبه عاقلهم ويعلم جاهلهم ويقيم الحجة على معاندهم ، وسنذكر فضله عليهم في العلم في موضعه . وقال العلامة أبو الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري المقرئ المتوفى سنة 833 في ( أسمى المناقب ) ص 22 ط بيروت بعد نقل حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ما لفظه : هذا حديث حسن من هذا الوجه صحيح من وجوه كثيرة ، تواتر عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وهو متواتر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير ، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم ، فقد ورد مرفوعا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والعباس بن عبد المطلب وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وبريدة بن الحصيب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعبد الله ابن العباس وحبشي بن جنادة وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأسعد بن زرارة وخزيمة بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف وحذيفة بن اليمان وسمرة بن جندب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة وصح عن جماعه منهم ممن يحصل القطع بخبرهم . وثبت أيضا أن هذا القول كان منه صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ، وذلك في خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ذلك اليوم ، وهو الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة إحدى عشرة لما رجع صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع . وقال أيضا المؤلف المذكور في كتابه ( أسنى المطالب ) ص 48 مثله ، إلا أن فيه ( ويثبت أيضا ) . أقول : لفظة ( إحدى ) زائدة ، والصواب السنة العاشرة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج بالناس في السنة العاشرة من الهجرة النبوية . * 1 ) كذا في المصدر .